لليوم العاشر

إغلاق الأقصى.. "خدعة إسرائيلية" لفرض السيادة وتغيير الوضع القائم

إغلاق الأقصى..
تقارير وحوارات

غزة/ سماح المبحوح:
لليوم العاشر على التوالي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع إقامة صلاة الجمعة والتراويح، أمام المصلين والصائمين، بذريعة حالة الطوارئ والمخاوف الأمنية المرتبطة بالهجمات الإيرانية، وسط دعوات مقدسية للصلاة على أبوابه أو عند أقرب نقطة ممكنة من رحابه.
والجمعة الماضية، هي الثالثة على التوالي، حُرم المصلون من أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى.
وفي الجمعتين الأولى والثانية من شهر رمضان المبارك، فرضت قوات الاحتلال قيودا على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى وأبعدت المئات من فلسطينيي القدس عنه، كما وضعت شروطا على وصول فلسطينيي الضفة، بينها تحديد عدد المسموح لهم بـ 10 آلاف على أن يكونوا ممن تجاوزوا 55 عاما من الرجال و50 عاما من النساء.
وواصلت سلطات الاحتلال إغلاق مدينة القدس والبلدة القديمة منها المسجد الأقصى منذ السادس من آذار/ مارس بذريعة حالة الطوارئ المعلنة منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وسط انتشار مكثف لقواتها في محيطه وأبواب البلدة القديمة، ومنعت المصلين والصائمين من الوجود في المسجد.
كما تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية بالذريعة ذاتها.
ووفق بيان لمحافظة القدس الفلسطينية، فإن أعداد المصلين في صلاة التراويح تراوحت بين 35 ألفا و100 ألف مُصلٍّ في أولى أيام شهر رمضان الحالي قبل اغلاقه.
دعوات مضادة
وبالتزامن مع ذلك، تتصاعد الدعوات الشعبية في مدينة القدس للصلاة على أبواب الأقصى أو عند أقرب نقطة ممكنة من رحابه، في ظل استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاقه، ومنع المصلين من دخوله خلال شهر رمضان بزعم حالة الطوارئ الشاملة.
ونشر ناشطون ومجموعات شبابية عبر منصات التواصل الاجتماعي دعوات للصلاة على أعتاب المسجد تحت شعار: "إن حرمت من الصلاة فيه فصلِ على بابه"، في محاولة لكسر العزلة المفروضة عليه والتأكيد على التمسك بحق المسلمين في الصلاة فيه.
ويؤكد مقدسيون أن إجراءات الطوارئ تطبق فعليا على الأقصى فقط، بينما تستمر الحياة بشكل طبيعي في بقية أنحاء المدينة، حيث تبقى الأسواق والأماكن العامة مفتوحة، في حين يحتفل المستوطنون في القدس بعيد "البوريم – المساخر" دون قيود تذكر.
ويرى ناشطون أن هذه الإجراءات تندرج ضمن ما وصفوه بـ "الحرب الناعمة" التي يشنها الاحتلال على القدس، من خلال منع الصلاة في المسجد الأقصى والتضييق على التجمعات داخل البلدة القديمة، في محاولة لفرض سيطرة أوسع وواقع جديد في المكان.
في الوقت ذاته، أطلقت جماعات الهيكل المتطرفة حملة ترويجية متصاعدة لفرض ما يسمى "قربان الفصح" داخل المسجد، مستغلةً استمرار إغلاقه خلال شهر رمضان، وذلك في إطار مساعٍ لفرض القربان الحيواني في "عيد الفصح العبري" ما بين 1 و8 نيسان/ أبريل 2026، أي بعد عيد الفطر بنحو 12 يوماً.
وفي هذا السياق، ذكرت محافظة القدس أن إلكانا وولفسون، من ما يسمى "مدرسة جبل المعبد الدينية"، وهو ابن حاخامها إليشع وولفسون، نشر إعلاناً مصمما باستخدام الذكاء الاصطناعي يُظهر مأدبة القربان بعد ذبحه، مع تصوير إقامة "المعبد" المزعوم مكان المسجد الأقصى. فيما نشر ما يسمى "معهد المعبد" صورة لمأدبة القربان الحيواني وخلفها قبة الصخرة، وقد أُقيم أمامها مذبح ديني، مرفقة بتعليق يقول إن "تأسيس المعبد في شهر واحد قد يكون عملاً صعباً، لكن بناء المذبح وتجديد القربان ممكن"، في دعوة صريحة لمحاولة فرض القربان داخل المسجد الأقصى هذا العام.
وقالت محافظة القدس: إن ذلك يأتي في ظل سوابق خطيرة شهدها عام 2025، حيث جرت ثلاث محاولات لإدخال حيوان صغير إلى المسجد الأقصى أو إدخال لحم مقطع منه، في تطورات غير مسبوقة منذ احتلال القدس.
وبينت المحافظة أن هذه المعطيات تشير إلى تصاعد سعي جماعات "الهيكل" لفرض القربان الحيواني داخل المسجد الأقصى، في ظل تنامي نفوذ تيار الصهيونية الدينية داخل شرطة الاحتلال، خاصة بعد تعيين المتطرف أفشالوم بيليد قائدا لشرطة الاحتلال في القدس قبيل شهر رمضان.
خدعة مكشوفة
وعلى وقع استمرار إغلاق المسجد الأقصى وتحضيرات المستوطنين لذبح القرابين داخله، اعتبر المقدسي أمجد عرفة أن إغلاق الأقصى ومنع المصلين من أداء شعارهم في الشهر المبارك وما يخطط لفعله المستوطنين داخله، انتهاكا صارخا لحرية العبادة ولحرمة المسجد، وإمعانا في الحرب الدينية التي يشنها الاحتلال.
وقال عرفة في حديثه لـ "الاستقلال" " إن: إغلاق الأقصى ومخططات المستوطنين هو انتهاك لحرمة المسجد، ويمثل عدوان متواصل على حق المسلمين وحريتهم في العبادة وقدسية المسجد".
وأكد أن الاحتلال يستغل الحرب الدائرة في الوقت الراهن ويتخذها حجة لفرض السيادة الصهيونية على الأقصى واستكمال خطط التهويد والسيطرة، محذرا من تبعات هذا التصعيد الخطير الذي يأتي ضمن محاولات الاحتلال للتهويد الكامل للأقصى، وتغييب هويته الإسلامية تحت ذرائع أمنية.
أما المقدسي أبو إبراهيم محمود (اسم مستعار) وصف خطوة سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى بحجة خطر الصواريخ الإيرانية بـ "خدعة مكشوفة" ومؤامرة تُحاك على الملأ، مشيرا إلى أنه في الوقت الذي يغلق الأقصى ويمنع المسلمين من أداء شعائرهم الدينية، يستمر عمل المدارس التلمودية في القدس وتستمر الاحتفالات اليهودية بشكل شبه طبيعي يوميا.
وأوضح محمود لـ "الاستقلال" أن الاحتلال بإغلاق الأقصى يعمل على تهويد القدس وفرض واقع جديد في الأقصى، متسائلا بلهجة صادمة، لماذا يُغلق المسجد الأقصى أمام المسلمين فقط، بينما تبقى المدارس التلمودية مفتوحة؟، هل يتمتع الإسرائيليون بمناعة خاصة ضد الصواريخ أم أن الخطر الأمني مجرد ذريعة؟
وشدد على أن التصدي لهذا الخطر وإفشال مخططات الاحتلال وتفويت الفرصة أمام اسرائيل للسيطرة على الأقصى وتهويد المدينة المقدسة، ليس خيارا بل واجب على جميع المسلمين.
لا مبرر لإغلاقه
وتعقيبا على ذلك، قال خطيب المسجد الأقصى ورئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس الشيخ عكرمة صبري إنه لا مبرر لقرار سلطات الاحتلال أغلاق المسجد الأقصى بذريعة حالة الطوارىء، مشيرا إلى أن الهدف هو فرض الهيمنة عليه.
وأضاف صبري في حديثه لوسائل الإعلام:" سلطات الاحتلال تستغل أي مناسبة لإغلاق الأقصى، وهذا أمر غير مبرَّر أبدا".
وأوضح أنه مع بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، تم إخراج جميع المصلين وموظفي المحاكم الشرعية والمدارس، ولم يَبقَ في المسجد سوى الحراس، وأُغلِق أمام المصلين.
وأكد أن إغلاق المسجد يعني هيمنة من الشرطة بحجة أمنية، وهذا غير مبرَّر ولا داعي له، ويتعارض مع حرية العبادة، ويوحي بأن سلطات الاحتلال تتحكم في المسجد، وتسحب صلاحية الأوقاف الاسلامية (تابعة للأردن) من إدارته.
وأشار خطيب الأقصى إلى أن استمرار إغلاق المسجد يحرم عشرات الآلاف من المسلمين الحريصين على أداء صلاتَي العشاء والتراويح.
وفي السياق، قال مركز معلومات وادي حلوة الحقوقي في بيان إن "المسجد الأقصى مغلق وفارغ من المصلين بعد إعلان حالة الطوارئ الصادرة عن تعليمات الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومنع التجمهر.
وأشار المركز في بيان إلى إغلاق المحال التجارية باستثناء محال المواد التموينية والمخابز، مضيفا أن قوات الاحتلال المنتشرة في باب الساهرة المؤدي إلى البلدة القديمة من القدس منعت دخول المقدسيين إلى البلدة باستثناء سكانها.
اغلق خمس مرات
يشار إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يغلق فيها المسجد الأقصى بقرار إسرائيلي منذ احتلال القدس عام 1967، إذ سُجلت خمس حالات إغلاق رئيسية، ففي المرة الأولى أُغلق المسجد في 9 يونيو/حزيران 1967 بعد يومين من احتلال القدس، عندما كانت قوات الاحتلال لا تزال متواجدة داخله.
أما المرة الثانية فكانت في 14 يوليو/تموز 2017 عقب عملية نفذها ثلاثة شبان من عائلة الجبارين داخل الأقصى، حيث أغلق الاحتلال المسجد تمهيدا لفرض البوابات الإلكترونية، قبل أن يتراجع عنها بعد أسبوعين تحت ضغط الهبة الشعبية.
وسُجل الإغلاق الثالث في 13 يوليو/تموز 2025 عندما أُخرج المصلون بالقوة وأُغلق المسجد بالتزامن مع عدوان استمر 12 يوما على إيران، تلاه إغلاق رابع في 20 من الشهر ذاته من العام نفسه ضمن الإجراءات ذاتها.
أما الإغلاق الحالي في شباط/فبراير 2026، فيعد المرة الخامسة، حيث يستمر منع المصلين من دخول المسجد وأداء صلاة الجمعة، في خطوة يرى مراقبون أنها محاولة لفرض واقع جديد يسمح للاحتلال بتعطيل الصلاة في المسجد متى شاء.

التعليقات : 0

إضافة تعليق